تقرير: باسل محمود
في تصعيد لافت يأتي بعد أيام قليلة من الجولة الرابعة من المحادثات النووية بين واشنطن وطهران، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أكثر من 20 شركة ضمن شبكة اتُّهمت بتسهيل عمليات نقل النفط الإيراني إلى الصين، بحسب بلومبرج ورويترز.
الخطوة تُعد جزءًا من استمرار نهج \”الضغط الأقصى\” الذي تتبناه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقليص موارد التمويل الإيرانية، خاصة تلك التي تُستخدم، وفقًا للبيانات الرسمية، في تمويل برامج عسكرية وهجمات إقليمية.
وبحسب بيان الوزارة، فإن هذه الشبكة تُدار بالنيابة عن هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، من خلال شركة تُدعى \”سپَهْر إنرجي جهان نما بارس\”، المدرجة على قوائم العقوبات منذ عام 2023.
مليارات الدولارات من الشحنات المشبوهة
البيانات الصادرة عن وزارة الخزانة تُشير إلى أن الشبكة المتورطة قامت بشحن كميات ضخمة من النفط الإيراني، قُدرت قيمتها بمليارات الدولارات، إلى الصين خلال العامين الماضيين، متجاوزةً بذلك العقوبات الأمريكية المفروضة على الصادرات النفطية الإيرانية.
وتقول واشنطن إن عائدات هذه الشحنات تُستخدم بشكل مباشر في تمويل برامج تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وكذلك دعم العمليات التي تنفذها جماعة الحوثي في البحر الأحمر، بما في ذلك هجمات استهدفت القوات الأمريكية والإسرائيلية.
في هذا السياق، صرّح وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، قائلاً: \”ستواصل الولايات المتحدة استهداف هذا المصدر الرئيسي للإيرادات طالما استمر النظام الإيراني في دعم الإرهاب ونشر الأسلحة الفتاكة\”.
شبكة من الشركات في سنغافورة والصين
أوضحت وزارة الخزانة الأمريكية أن الحزمة الجديدة من العقوبات استهدفت شركات رئيسية متورطة في تسهيل العمليات اللوجستية والتجارية لشبكة المعاملات المحظورة، من بينها شركات تقع في سنغافورة والصين، جرى إدراجها بالاسم ضمن قائمة العقوبات المعلنة.
أمريكا تُشدد الخناق على إيران.. اقرأ المزيد حول سلسلة العقوبات الأمريكية السابقة!
عقوبات ذات طابع اقتصادي وتقني
تشمل العقوبات الجديدة تجميد الأصول التابعة لهذه الكيانات داخل الولايات المتحدة، بالإضافة إلى حظر التعامل معها من قبل المواطنين والشركات الأمريكية، كما يُمنع تقديم أي دعم تقني أو تمويل أو خدمات لوجستية للشركات المُدرجة.
وتُعد هذه الإجراءات، امتدادًا لحملة سابقة استهدفت ما يُعرف بـ\”مصافي الشاي الصيني\” – وهي مصافٍ مستقلة تتعامل مع النفط الإيراني في الخفاء؛ حيث تم فرض عقوبات مماثلة عليها خلال الأشهر الأولى من ولاية ترامب الثانية.
ويرى خبراء في شؤون الطاقة أن هذه الإجراءات قد لا تُحدث أثرًا فوريًا واسعًا في حجم صادرات النفط الإيراني، ما لم تشمل العقوبات شركات الطاقة الحكومية الصينية أو كيانات مالية مركزية لها القدرة على توجيه التدفقات النفطية.
تأثير محدود أم خطوة تمهيدية؟
رغم الضجة السياسية، يرى عدد من المحلّلين أن فاعلية هذه الجولة من العقوبات تعتمد على مدى استعداد الولايات المتحدة لتوسيع نطاق الاستهداف ليشمل شركات مملوكة للدولة في الصين، لا سيما تلك التي تُعد واجهات اقتصادية للسياسات التجارية الرسمية.
ويُلاحظ أن العقوبات الأخيرة ركّزت على الكيانات الوسيطة، وهي جزء من شبكة أوسع تعتمدها طهران للالتفاف على العقوبات، وتشمل شركات واجهة، ووكلاء موانئ، وشركات تأمين غير تقليدية.
ويُرجّح أن يكون الهدف من هذه الجولة توجيه رسالة واضحة إلى بكين قبل أي تحرّك تفاوضي أوسع، خصوصًا في ضوء المحادثات النووية غير المباشرة التي جرت مؤخرًا في سلطنة عُمان.
اقرأ أيضًا: إيران تقترب من قنبلة نووية.. وترامب يلوّح باتفاق
العقوبات تسبق الجولة النووية
توقيت فرض العقوبات ليس معزولًا عن السياق السياسي الأشمل، إذ جاءت هذه الخطوة بعد أيام قليلة من انتهاء الجولة الرابعة من المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، والتي لم تُسفر عن اختراق جوهري، خاصة في ما يتعلق بملف تخصيب اليورانيوم.
رغم ذلك، حرص الطرفان على التأكيد أن المسار الدبلوماسي لا يزال قائمًا، وإن بدا أن مسافة الثقة لا تزال بعيدة، وسط تمسّك إيران بحقها في برنامج نووي مدني، ورفضها تقديم تنازلات إضافية قبل رفع جزء من العقوبات المالية والنفطية.
وبينما تسعى واشنطن لتأمين إجماع دولي على كبح نفوذ طهران الإقليمي، تحاول إيران الاستفادة من بوابة الطاقة كشريان حيوي لا يمكن كبحه بالكامل دون كلفة اقتصادية على الأسواق العالمية.
النفط الإيراني والطلب الآسيوي.. معادلة لا تهدأ
الصين باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد في العالم لا تزال المستورد الأكبر للنفط الإيراني، سواء بشكل غير رسمي أو عبر قنوات غير تقليدية، ورغم القيود الأمريكية استمرت شحنات النفط الإيرانية في الوصول إلى المصافي الآسيوية عبر وسطاء وموانئ ثانوية، بما في ذلك عمليات \”تبديل الحمولة\” في عرض البحر.
هذا الطلب المستمر على النفط الرخيص، يمنح إيران فرصة لتأمين تدفقات مالية رغم الحصار المالي، وهو ما يُفسّر سعي إدارة ترامب لتضييق الخناق على هذه القنوات تحديدًا. ووفقًا لمصادر مطّلعة في قطاع النفط فإن ما لا يقل عن 500 ألف برميل يوميًا من النفط الإيراني تصل إلى الأسواق الآسيوية، جزء كبير منها يتسلل عبر قنوات تخضع لتعتيم تجاري كامل.
اقرأ أيضًا: عقوبات أمريكا على إيران تُربك أسواق النفط الصينية
السيناريوهات المستقبلية
إذا قررت واشنطن توسيع نطاق العقوبات لتشمل مؤسسات صينية رسمية، فإن الرد الصيني قد يتجاوز الدبلوماسية، ويدخل في مسار من التوتر التجاري أو التقني، خاصة في ظل التنافس القائم حول التقنيات الاستراتيجية والرقائق.
أما في حال اكتفاء العقوبات الحالية باستهداف شركات غير حكومية، فقد تستمر طهران في استخدام المسارات البديلة نفسها، مع تغيير الأسماء والواجهات التجارية، وهي استراتيجية استخدمتها بنجاح في الأعوام الماضية.
قد يهمّك أيضًا: الأوضاع في إيران تتفاقم.. أزمة اقتصادية واستقالات تعصف بالحكومة








